|
لمصلحة من يغيب المثقف الصحراوي؟؟
بقلم:لحسن بولسان
منذ أن بادر الصحراويون يأسسون في السبعينيات لظروف حرب تحرير وطنهم كان
دور المثقف الصحراوي واضحاُ وتأثيره كبيراً في تعبئة الجماهير وتوعيتها
وشحذ الهمم وحشد كل الطاقات وتوجيهها في الإتجاه الصحيح في معركة
التحرير، ولم تقتصر المشاركة على الكلمة والقلم والريشة والكاميرا، بل
تعدت ذلك الى حمل البندقية للدفاع عن الوطن وسقط في ساحة الشرف والشهادة
على غرار: الولي مصطفى السيد، سيدي ابراهيم بصيري، سيدي حيذوك وغيرهم.
وبعد وقف إطلاق النار لم يسلم المثقف الصحراوي من سلبيات المرحلة التي
مست كل أجنحة القضية. وعاد سؤال يرتجف على شفاه أبناء الصحراء الغربية
سؤال جارح كحد السكين وهو: أين المثقف؟ ولماذا لا يتحرك، أو يفكر، وهل
المثقف موجود فعلا أم غائب أم مغيب؟ هل هو واقف، أم مذعور هارب يتوارى
خلف ظله؟
وتزايد الحديث عن المثقف الصحراوي ودوره بشكل كبير في واقعنا منذ ان
تسلمت الأخت خديجة حمدي حقيبة وزارة الثقافة التي بادرت إلى إطلاق إشارات
إحتضان المثقف الصحراوي ووضعه أمام مسؤولياته. وأصبح يُكرر مرارا السؤال
التالي :هل يستطيع المثقف الصحراوي ان يتحول الى الصوت المعبر عن واقع
وحال وطنه؟ اين هو المثقف في هذه الأيام من كل هذا وما هو دوره في عملية
النضال والتحرير؟؟
بالأكيد أن رحم الصحراء الغربية بشقيه المحرر والمحتل وفي اللجوء
والشتات، مليء بنخبة قادرة أن تٌحدث حراكا ثقافيا يشكل أولا قطيعة مع
الفهم الضيق للثقافة الذي كاد أن يكون مقتصرا على الأغنية والسهرات، نخبة
قادرة ان تخلق حراكا فكريا و تقدم نقدا صريحا.. نقاشا.. حوارا.. تعدد
آراء.. تعدد تجارب، وتعدد تحديات لواقعنا الحالي.
لكن دعونا نتساءل لماذا تزداد خيبة الأمل من إمكانية إنتقال المثقف
الصحراوي من مجرد مستهلك تابع إلى المبادر المنتج؟ ولماذا يزداد المثقف
هامشية اليوم ؟ وبالمقابل نطرح إستفسارات أخرى: كيف يمكن للمثقف الصحراوي
أن يلوذ بالصمت ورهانات المرحلة واضحة بينة؟ وكيف يعاد تشكيل وبناء دور
المثقف المنتمي واداؤه لوظيفته السياسية والإجتماعية؟ وهل صحيح أن
مسؤولينا خذلوا المثقفين ودفعوهم إلى الهروب والمنفى الإختياري، أو إلى
الصمت والإستسلام وتغيير مواقفهم ومبادئهم من أجل اللقمة لهم ولأطفالهم
سواء بالداخل أوبالمهجر؟ الإجابة على هذه الاسئلة نتركها للقارىء.
أنا اظن أن غياب المثقف الصحراوي ليس عجزا. ورغم ذالك يجوزللوطن ان ينتقد
أبناءه لأن العطاء لا يعني بالضرورة انك محسوب على هذه النقطة او تلك، بل
يمكن لأي مثقف أن يخدم قضيته من أي نقطة في العالم ولن يغفر الوطن لأي
إبن من أبنائه وهو يتركه، ولن يقبل الوطن الصمت من أي مبدع أو صاحب رأي
أو محترف قلم..
لا نريد أن نقول إن مثقفين يهربون إلى دروب أخرى لا تفضي إلى سكان مخيمات
العزة والكرامة وضحايا الاحتلال بالشق المحتل من الوطن أوجاعهم الكثيرة.
انا اؤمن كما يؤمن بالأكيد معظم الشعب الصحراوي أن المثقف في الصحراء
الغربية ليس خصما للسياسي و لكن ليس كذلك خطابه، وإنما رسالة المثقف
الصحراوي هو خطاب الأرض والناس والقضية الصحراوية بكل تجالياتها وجراحها.
أكيد أن هناك عوامل وإكراهات موضوعية وذاتية أدت بالنخبة إلى التخلي عن
ريادتها وقدرتها على التغيير، ولكن ما قيمة الثقافة إذا كانت لا تفيد
الوطن ولا تخفف من همومه؟ وأين ضمير المثقف الصحراوي، وأين عمله ومواقفه
الوطنية؟
علينا أن نعترف الى أن جزءا كبيرا مما تعانيه النخبة من "تهميش" يعود
سببه الى المثقفين أنفسهم وعدم البحث عن السبل الناجعة في توصيل رسالتهم
الواضحة للسياسي. إن ما تحتاجه القضية الوطنية اليوم هو ليس المثقف
الخامل، الباحث عن امتيازات.. إنما المثقف النقدي، المثقف الذي ينقد ذاته
وتجربته أولا، وأن يكون إرتباطه الأساسي مع الثقافة كرسالة في خدمة الوطن
وقضيته المتحرر من التبعية أي كان نوعها وشكلها.
ومن المؤكد أن تحركات ونوايا وزيرة الثقافة الجديدة لن تكون بداية نهضة
ثقافية حديثة ولكنها قد تكون خطوة مشجعة نحو الهدف المطلوب. وعلى الدولة
الصحراوية ممثلة في وزارة الثقافة ان تخلق وتبتكر وتبحث عن صيغ تجعل
المثقفين الصحراويين يعملون بروح الفريق الواحد، سواء من خلال مؤسسات أو
منتديات أو أي شكل من أشكال التعاون والتنسيق التي تتم بين هذه الفئات من
المثقفين بالأرض المحتلة وبالشتات وبالمخيمات. فالهم كبير والمأساة
أكبر والقضية قضية شعب بجميع شرائحه ومستوياته انتهكت أرضه. فغياب المثقف
عن الساحة هو يخدم عدو الوطن أولا، وخصم المثقف، إن تصورنا جدلا أنه
موجود، ثانيا.
|